ابن كثير
478
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 191 إلى 198 ] أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 191 ) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 192 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ( 193 ) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 194 ) أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ( 195 ) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( 196 ) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 197 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 198 ) هذا إنكار من اللّه على المشركين الذين عبدوا مع اللّه غيره من الأنداد والأصنام والأوثان ، وهي مخلوقة للّه مربوبة مصنوعة ، لا تملك شيئا من الأمر ولا تضر ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها ، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر ، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم ، ولهذا قال : أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئا ولا يستطيع ذلك ، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحج : 73 - 74 ] . أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة بل لو سلبتهم الذبابة شيئا من حقير المطاعم وطارت ، لما استطاعوا إنقاذه منها ، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر ؟ ولهذا قال تعالى : لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ [ الصافات : 95 ] الآية . ثم قال تعالى : وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً أي لعابديهم وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يعني ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء ، كما كان الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله : فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [ الصافات : 93 ] وقال تعالى : فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [ الأنبياء : 58 ] وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل رضي اللّه عنهما ، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة ، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك ويرتئوا لأنفسهم ، فكان لعمرو بن الجموح وكان سيدا في قومه صنم يعبده ويطيبه ، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه . بالعذرة ، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به ، فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له : انتصر ، ثم يعودان لمثل ذلك ، ويعود إلى صنيعه أيضا ، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت ، ودلياه في حبل في بئر هناك ، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل ، وقال : [ رجز ] تاللّه لو كنت إلها مستدن * لم تك والكلب جميعا في قرن « 1 » ثم أسلم فحسن إسلامه ، وقتل يوم أحد شهيدا رضي اللّه عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه ، وقوله وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ الآية ، يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء
--> ( 1 ) الرجز في سيرة ابن هشام 1 / 354 .